محمد حسين علي الصغير

131

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

وكان هذا التقسيم مدار البحث البلاغي عند المتأخرين ، حتى إذا تلاقفوا هذه التقسيمات ، أضافوا إليها ، وشققوها إلى أقسام أخر ، تتجاوز العشرة من حيث وجوه الشبه وأدوات التشبيه وأطرافه ، مما ذهب برونق الاستعارة التصويري ، وبهائها الفني فعادت علما جافا لا ينبض بالحياة . ولا كبير أمر في ذكر جميع هذه الأقسام والدخول في تفصيلات تلك الأنواع ، والتعقيب على هذا وذاك ، ولكننا سنعالج في حدود معينة أهم ما تواضعوا عليه ، وأبرز ما ذهبوا إليه ، ممثلا له بما في كتاب اللّه تعالى من علائم وسمات ومصاديق : 1 - الاستعارة التصريحية : وهي ما صرح فيها بلفظ المشبه به دون المشبه ، أو ما استعير فيها لفظ المشبه به للمشبه ، ومثالها من القرآن الكريم قوله تعالى : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ . . . « 1 » . ففي هذه الآية استعارتان في لفظي : الظلمات والنور ، لأن المراد الحقيقي دون مجازهما اللغوي هو : الضلال والهدى ، لأن المراد إخراج الناس من الضلال إلى الهدى ، فاستعير للضلال لفظ الظلمات ، وللهدى لفظ النور ، لعلاقة المشابهة ما بين الضلال والظلمات ؛ فكما ترين الظلمات على الآفاق فتحجب الأضواء والاشعاع فكذلك يرين الضلال على القلوب فيحجب الهداية والرشاد . ولتشابه النور بالهدى في مجال الإيمان ، فكما ينتشر النور في الآفاق فيملؤها سناء وبهاء ، فكذلك ينتشر الهدى في القلوب فيملؤها تقوى وإيمانا ، هذه العلاقة بين كلا الاستعمالين أدركت عقلا بقرينة حالية أملاها سياق النظم وترابط المعاني . وهذا الاستعمال - كما ترى - من المجاز اللغوي لأنه اشتمل على تشبيه حذف منه لفظ المشبه ، وأستعير بدله لفظ المشبه به ، وعلى هذا فكل مجاز من هذا السنخ يسمى « استعارة » ولما كان المشبه به مصرحا بذكره سمي هذا المجاز اللغوي ، أو هذه الاستعارة « استعارة تصريحية » لأننا قد

--> ( 1 ) إبراهيم : 1 .